‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأسس النظرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأسس النظرية. إظهار كافة الرسائل

12/04/2021

المعارف الشرعية اسلامية لا طائفية ولا مذهبية.

 من الأصول الشرعية البينة هو إسلامية المعرفة الشرعية، أي ان المعرفة عابرة للطوائف وغير منتمية للمذاهب.  

قال الله سبحانه وتعالى (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج/78] أي هُوَ (الله) سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (أي قبل هذا الكتاب والعصر). وقال سبحانه وتعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء/92] والمعنى (إِنَّ هَذِهِ (ملة الإسلام) أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. والمصدق ان المخاطبين هم الأنبياء واتباعهم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (*) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ  [المؤمنون/51، 52] بل هذا كالنص في قوله تعالى (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (*) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (*) [آل عمران/84، 85]) والإسلام التسليم لله، ودلت الاية على ان الإسلام هو دين الله الابدي وهو دين جميع الأنبياء، فليس دين محمد فقط ولا دين إبراهيم ومن بعده فقط بل هو ممتد الى آدم عليه السلام. فالصحيح ان الإسلام هو دين الآدميين وليس دين الابراهيميين ولا دين المحمديين فقط.

وبخصوص أصل الجماعة وعدم الفرقة واخوة الايمان قال الله سبحانه وتعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران/103] وهذا نص محكم بأصل الجماعة وبإخوة الايمان المطلقة فلا مخصص، وان التفرق وتفريق الجماعة المؤمنة والتبري من مؤمن او معاداته هو خلاف امر الله تعالى بلا ريب.

وفي السنة قال رسول الله (ادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.)  وقال عليه الصلاة (فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله.) وقال عليه السلام (من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم وحسابه على الله.

ان القرآن واضح في كون تسمية الأمة هي (المسلمون المؤمنون) فلا تعدد، كما ان اتصال المعرفة واتساقها يمنع من ظهور الاختلاف. اذن المعرفة الشرعية لا تقبل الاختلاف، والتسمية الشرعية لا تقبل التعدد. فالحقيقة الشرعية علم ولا اختلاف ولا تعدد في العلم، وانما الاختلاف في الدين سببه الظن فيؤدي الى ظهور معارف تخالف جوهر الشريعة وتبتعد عنها.

الشريعة حق والحق لا يتعدد وشرعنة الاختلاف امر خطير، وصعوبة الاجتماع لا يعني جواز شرعنة الاختلاف. والانطلاق من نقطة موحِّدة دوما يؤدي الى نقطة موحِّدة أكبر، لكن البعض يترك تلك النقطة الحقة فلا يستطيع ان يتواصل مع من يتمسك بها. ان المعارف الشرعية متصلة ولا يمكن ان تكون غير متصلة لان العلم متصل ومعرّف. واتصال المعرفة سبب عصمتها وسبب لرفع كل اختلاف وتعدد. ويمكننا القول ان التعدد والاختلاف والطوائف والمذاهب في الجماعة الإسلامية وهم من الأوهام.

 

10/27/2021

موافقة الحق للفطرة والحكمة

 

 موافقة المعرفة الحقة للفطرة والحكمة العقلائية

هذا أصل قطعي ثابت من أصول الشريعة ودلت عليه نصوص ومعارف قطعية منها قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) وقال تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) تعليق وهنا حسن فطري عقلائي. وقال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) وقال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمً).  والحسن هذا كله ارتكازي عقلائي ووجداني.

 كما ان القران اعلى شأن العقل واعماله؛ قال تعالى (لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). وقال تعالى (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقال تعالى (وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ). فخاطب الله العقول بل حصر الاهتداء الى الحق باهل العقول، فاستعمال العقل لأجل الاهتداء وتبين الحقائق والايمان والاعتقاد السليم من جوهر الشريعة وهو يدل على وجوب ذلك عينيا. كما انه خص التذكر والادبر بأولي الالباب فقال تعالى (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) وقال تعالى (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ). بل ان الكفر والنفاق هو من علامات عدم العقل والفهم؛ قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ). وقال تعالى (وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ). وقال تعالى (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ). وقال تعالى (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) والعقل هنا هو التعقل والتدبر والتمييز الفطري الهادي الى النور وحقائق الايمان.

ان موافقة الحق للفطرة وتصديق الوجدان لها وأنها وفق نهج العقلاء كلها امور راسخة في المعارف الشرعية لذلك هي ملحوظة في اصول الشريعة وفي المعارف الثابتة التي يرد اليها الحديث، فان مخالفته للفطرة والوجدان والعقلائية يعني انه مخالف للقران والسنة بلا ريب. والعقل هنا هو التعقل والتدبر والتمييز الفطري الهادي الى النور وحقائق الايمان وليس الابحاث العقلية الدقية التي لا يتعقلها العرف ولا يعرفها الانسان العادي. هذا وان العقل لا يهدي الا الى الايمان فكلما ازدادت قوة التمييز والادراك ازداد الادراك بحقائق الايمان وازدادت المعرفة الا ان الهوى والميول والاحكام الموروثة قد تؤدي الى تشويش وارباك واخلال في جانب الايمان فترى الانسان على درجة عالية من الذكاء والتمييز والتحليل بل والعبقرية الا انه لا يهتدي الى الايمان. ومن هذا حاله هو بحكم من لا عقل له لان العقل الحقيقي هو الهادي الى الخير، ومن اهم سبل الخير الايمان والتقوى، فمن لا ايمان له ولا تقوى هو ناقص عقل مهما بلغ من ذكاء او عبقرية. وهذا الحكم ليس بشواهد نقلية شرعية فقط بل هو بأسس عقلائية لان تمام العقل متقوم بمعرفة الخير وعمله، والايمان والتقوى من اهم اشكال الخير بل لا خير حقيقة من دونها والكلام عن دليل الحكم الاخير له مكان اخر ليس هذا محله.

كما ان فطرية وحكمة وعقلائية المعرفة تدل بوجه من الوجوه توجه الخطاب القرآني الى الانسان مباشرة من دون واسطة وهذا من نعم الله تعالى فيكون على الانسان ان يتفكر ويتعقل ويتدبر القران بنفسه والا يميل الى اخذ المعارف بواسطة أيا كانت. من هذه النصوص المخاطبة للإنسان والحاثة له على التدبر قوله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

وقال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال تعالى (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)  وقال تعالى (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ) وقوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (*) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وقال تعالى (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ). وقال تعالى (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)

وقال تعالى (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)  وقال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)

وقال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)وقال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)

قال تعالى (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). وقال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) وقال تعالى (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)

قال تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) قال تعالى (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). وقال تعالى (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقال تعالى (وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). وقوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).  قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) وقال تعالى (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) وقال تعالى (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ). وقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ)

وقال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)  وقال تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) وقال تعالى (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا و قال تعالى (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وقال تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون).

ان هذه النصوص الكثيرة والمثيرة للدهشة في كثرتها في حث الانسان على التعقل والتفكر والتدبر بالنص مسلما كان ام كافرا مؤمنا كان ام منكرا، لا تدع مجالا للاتكال على الغير ولا تسوغ تقليده وتوجب على الانسان ان يجتهد بنفسه في معرفة الحق ومن هنا كانت الأسس التي بني عليها المعارف الحقة في (عامية الفقه) و( الوجوب العيني للاجتهاد) والتي بينتها مفصلا في كتب خاصة بها.

10/21/2021

يعتبر في علمية المعرفة انتهاؤها الى النبي او الوصي


قال الله تعالى (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ). وقال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ).  وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). فإطاعة رسول الله صلى الله عليه واله اي الانتهاء اليه ووجوبها من الضرورة الدينية.

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ منكم). وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) وهو مطلق يفسر بما تقدم شاملا لأولي الامر. وقال تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) فطاعة ولي الامر واجبة وهي الانتهاء الى قوله وهذا قطعي.

ولولي الامر صفات توجبها حكمة التشريع و احاطته لقطع التردد والتعلل والاختلاف منها ان يكون مؤمنا عدلا لقوله تعالى (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )، وان يكون عالما بالله ورسوله قال تعالى  (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وهو العالم بالكتاب قال تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ )، وان يكون هاديا قال تعالى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ) والهادي يتصف بما تقدم من الايمان و التقوى و العلم. وان يكون ولي الامر الاقرب للنبي صلى الله عليه و اله قال تعالى (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) ، وقال تعالى  (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) والآية الاخير تثبت مبدأ الاصطفاء اي التعيين من الله وهو المصدق بالإحاطة و العلم و النصوص القرانية في الاختيار و الامر قال تعالى (  لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ )  وقال تعالى  (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) و  قال تعالى  (رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ.) وايضا يصدقه كونه هو الجاعل الائمة والخلفاء في القران قال تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً) وقال تعالى (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) وقال تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وهو مشبه لقوله تعالى في الرسل (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).

ان تلك الصفات التي ذكرناها والمصدق بالفطرة قد جمعتها السنة القطعية لأهل البيت صلوات الله عليهم الذين قرن ذكرهم صلى الله عليه وآله بذكره، وخصتهم بها النصوص الموجبة للعلم باثني عشر خليفة، الثابت حقا والمصدق مطلقا انهم بجعل من الله واختيار منه، وعلى ذلك دلالة العقل حيث انه لا بد لهذا العلم الاجمالي بالولي المفترض الطاعة من ان يحل الى علم تفصيلي والا عطل. ولدينا معرفة عليها من الشواهد ما يوجب الاطمئنان وأكثر فوجب اعتمادها واعتقادها، واما القول ان الامر يدور بين التعيين واللا تعيين والاصل عدمه فهو نفي لذلك العلم المتحقق وقول بلا شاهد ولا مصدق بل خلاف القران الفارض طاعة ولي الامر والدال على سنن الجعل والاختيار الالهي في الامام والخليفة وان الامر في ذلك لله وليس لغيره.

فيعتبر في المعرفة الحقة ان تنتهي الى نبي او وصي قال الله تعالى على لسان نبيه (اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وقال تعالى (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ). وقال تعالى (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ). وقال تعالى (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). فصح التعبد بالنقل المنتهي الى مصدر العلم. ومن خلال ما سيأتي سيتبين ان المقصود علم نبي او وصي.

كما ان الرد الى الله والرسول وولي الامر لوصي لأنهم مصدر العلم قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) وقال تعالى: (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) وقال تعالى :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) وهو يدل على ان ولي الامر مصدر علم. وقال تعالى (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).  

وكذا الامر بطاعة الله ورسوله وولي الامر فأيضا لأنهم مصدر علم. قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ). وقال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ). قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ منكم).

ويدل عليه أيضا ما دل على عدم اتباع الظن لأنه لا يؤدي الى العلم. قال تعالى (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) وقال تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) بل صرح القران بعدم جواز القول بغير علم. قال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ).

وأيضا توجه الامر بالسؤال الى اهل الذكر وليس غيرهم، يعني اهل العلم. قال الله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ).

كما ان القران أشار الى حكمة اتباع من يهدي وليس اتباع من لا يهدي فقال تعالى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى) والذي يهدي هو العالم صاحب العلم.

بل ان الاصطفاء أيضا لاجل ان يكون اتصال علمي فقد قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) والاصطفاء ليكون مصدرا للعلم وتبليغ العلم. وهكذا جعل الخليفة والامام. قال تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً) وقال تعالى (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) وقال تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) بل ان ارسال الرسل لاجل ان تكون طريقا للعلم. قال تعالى (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ). تعليق: هذا كله لاجل فتح باب العلم بطريقة طبيعية عادية واقعية فكانت الخلافة والرسالة والنبوات والامامة. فإرسال الرسل وجعل الائمة هي من أعظم نعم الله على البشر لأنه فتح بهم باب العلم الى علمه تعالى.

كما ان الله تعالى أكد على البرهان والحجة والاطلاع، وهذه كلها دلائل على قصد العلم. قال تعالى (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وقال تعالى (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) وقال تعالى (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) وقال تعالى (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).

فلا بد للمعارف لتكون صدقا وحقا ان تنتهي بعلم الى النبي او الوصي، والا كانت ظنا. ولذلك فما يجتهد فيه المجتهدون هو في الحقيقة ليس منتهيا إليهم وانما هو منته الى النبي والوصي وانما هو واسطة ووسيلة لبيان علم النبي وعلم الوصي فصح الاعتماد على اجتهاداتهم والتي يجب ان تكون مصدقة بالقران والسنة ولها شاهد منهما.

 

وجوب العلم وعدم جواز الظن في المعرفة

 


قال الله تعالى (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وقال تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). وقال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) فلا يصح اعتماد الظن ومنه اخبار الاحاد والقول الظني الذي ليس له شاهد من المعارف الثابتة يوجب الاطمئنان له، وصحة السند لا تنفع في اخراجه من الظن.

وسيتضح لك جليا انه لا شرط للعمل بالخبر الا شرط واحد هو افادته العلم، بل لا شرط لاعتماد المعرفة نقلا او قولا الا شرط العلم، وان جميع الشروط والصفات الاخرى هي بيان وشرح لهذه الصفة. فلا يصح اعتماد الظن ومنه النقل الظني في أي امر شرعي بل في اي امر في الحياة سواء كان صغيرا او كبيرا لأنه خلاف الحكمة بل خلاف سيرة العقلاء بل خلاف الفطرة برد المعارف بعضها الى بعض وتحري اتساقها وتوافقها.

ان علمية المعرفة ان تكون المعرفة حق لا ظن فيه، قال تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)  وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (*) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)  وقال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (*) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )  وقال تعالى (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ)  وقال تعالى ( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (*) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ). فلا مجال مطلقا لإدخال الظن في العلم ولا يصح الاستمرار باعتبار الظنون في أي مجال من مجالات الشريعة مهما كان صغيرا.

ولقد قال تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) وقال تعالى (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فجعل الحجة في علم ومعرفتهم وأنها ليست ظنا.

وقابل الله تعالى بين العلم والظن صريحا فقال: قال تعالى (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) وقال قال تعالى (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (*) أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ).

ولقد حصل ارباك معرفي في جهتين بخصوص الظن أولهما قديم وهو تجويز العمل بخبر الواحد الظني واخرهما مساواة السنة بالحديث الظني، وكلاهما واضح البطلان، الا ان عدم التدقيق والتعجل وتقليد الأوائل أدى الى استمرا واشتهار القول الأول وبدأ القول الثاني يصبح من المتبنيات عند البعض.

ومما لا ريب فيه ان النقل الذي يوجب الاعتقاد والعمل والاعتماد والحجة هو ما علم انه حق وصدق، ولا ريب ان صحة السند وكثرة النقل واشتهار القول ليست علامات للحق والصدق، وانما علامة الحق والصدق هو التوافق والتناسق والاتساق وعدم التناقض والاختلاف، وهو ما نراه في نفوسنا من ان الواقع هو ما قبل الاتساق والتناسق والتوافق، والذي عبرت عنه الشريعة بنصوص واضحة وصريحة بقواعد الرد والتصديق والعرض والموافقة والشواهد، فالخبر مهما كان سنده وحاله ووضعه وطرق نقله ان كان له شاهد ومصدق من المعلوم الثابت من الشريعة ومن القران والسنة فهو حق وصدق وعلم والا كان ظنا ولا يصح إدخاله في العلم والحق وان صح سنده.

ان السنة هي ما يعلم وهي اما بالمشافهة او بما ينقل مع الثبوت والعلم بالمصدقية ونحوها من الشواهد، اي السنة حديث ثابت معلوم والعلم هنا مطلق الاطمئنان، اما ما يروى فهو ظن فمنه ما يثبت ويعلم اي يصبح علما ومنه ما لا يثبت ويبقى ظنا، فالأول – أي الحديث العلمي- وهو السنة وهو الشريعة لانه علم و العلم حجة و اما الثاني – الظني- فليس سنة ولا حجة ولا شرعا. من هنا فالسنة كل حديث ينسب الى النبي صلى الله عليه واله او الوصي عليه السلام وله شاهد ومصدق واما النقل الظني الذي ليس له شاهد او مصدق فهو ليس سنة وان صح سنده. وهذا هو الحكم في الاقوال والفتاوى التي تنسب الى الشرع، فانها ترد الى القران والسنة، فان وافقتها فهي حق والا فهي ظن لا يصح العمل به، ومن هنا يعلم ان تقليد غير الله ورسوله ووصيه مشروط بموافقة القران والسنة وليس مطلقا كما يتصور البعض، بل في الواقع التقليد هو للقران والسنة والحديث والفتوى والتفسير كلها طريق اليهما فكيف يعتمد الطريق المخالف للغاية؟ هذا لا يجوز بوجه.

ومن هذا البيان يتبين الخلل في مساواة السنة بالحديث الصحيح، فالسنة علم والحديث الصحيح ظن، ولا يصح ادخال الظن في العلم، كما ان الحديث الصحيح سندا ظن لا يصح اعتماده الا ان يكون له شاهد ومصدق من القران، والقول بعدم وجوب عرض الحديث على القران وتضعيف ذلك ووصف الاخبار فيه بالوضع مما لا يصح المتابعة عليه، وناتج عن الخلط بين السنة والحديث ومساواة السنة بالحديث، فالعرض على القران ليس للسنة بل للحديث، وليس للحديث المعلوم الذي هو سنة بل للحديث الظني، الذي هو خبر الواحد وان صح سنده. ان خبر الواحد ظن لا يصح العمل به وان كان سنده بأعلى درجات الصحة وان اشتهر ت روايته والقول به، ولا يخرجه من الظن الا ان يكون له شاهد ومصدق من القران. والحديث صحيح السند مشهور الرواية والقول به إذا لم يكن له شاهد من القران فهو ظن لا يصح اعتماده، والحديث صحيح السند مشهور الرواية إذا خالف القران وعارضه فهو باطل كذب لا يصح نسبه للنبي صلى الله عليه واله ولا لأهل بيته الاطهار عليهم السلام.

 

محورية المتن في تقييم الاخبار

 


ان محورية القيمة المتنية للخبر مما يصدقه بل ويقره سلوك العقلاء في تعاملاتهم الحياتية، والشرع جرى على ذلك، ولحقيقة كون الشرع نظاما له دستور وروح ومقاصد وقطب تدور حوله باقي اجزائه وانظمته كان الرد والتناسق والتوافق اوليا واساسيا فيه. فكل ما يخالف تلك الروح والمقاصد لا يقر. ولا يتحقق اطمئنان ولا استقرار انتسابي ولا اذعان تصديقي الا بان تكون المعارف متناسقة متوافقة يشهد بعضها لبعض وهذا مطلب عقلائي ارتكازي.

لا بد من التأكيد والتذكير دوما ان الشرع نظام معرفي واضح المعالم والحمد لله وهي حصانة له، وفيه معارف ثابتة قطعية لا يصح مخالفتها لأنه من نقض الغرض ومن الاخلال بالنظام. فالأخبار الظنية مهما كانت صحة سندها خاضعة لعملية الرد والعرض والى وجوب تبين مدى الموافقة والتناسب ومدى الاقتراب من أصول الشريعة او مدى ابتعادها وشذوذها وهذا هو الاتصال المتني المعرفي الذي يقدمه منهج العرض بديلا حقيقيا وصادقا عن الاتصال السندي. وهل يعرف غرابة وشذوذ ما ينسب للشرع بظنون نقلية من تفسيرات لآيات او تأويلات او روايات احاد الا من خلال الرد والعرض، بل ان سيرة المتشرعة حمل ظواهر الأحاديث المشكلة على ما يوافق الثابت بل ان ظواهر الايات المتشابهة يحمل على محكمها، وهذا كله من تطبيقات العرض والرد. 

فالتقييم المتني متجذر وعميق في الشرع كما هو حال اي نظام معرفي دستوري اختصاصي يحتكم الى عمومات وقواعد ثابتة ظاهرة هي روح النظام وجوهره لا يقبل الا ما توافق معها ويرد ما خالفها، وعلى ذلك كانت المعارف الشرعية الثابتة بل الارتكاز الشرعي المصدق بسيرة العقلاء بل وفطرتهم. فمن الجلي جدا ان ما يخالف ما هو قطعي من الشرع يكون مشكلا بل احيانا يحكم بانه منكر وأحيانا يحكم انه كذب. ولقد رد او كذب السلف والاعلام ومن لا يشك في ورعه وتقواه معارف كانت بهذه الصفة ليس الا انهم طبقوا الرد والعرض عليها.

 لقد بين القرآن الكريم وبوضوح بان الحقية والعلمية والباطلية والظنية هي صفة للمتن بذاته بغض النظر عن ناقله، قال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (*) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام/115، 116]). فلاحظ كيف جعل الله تعالى الصدق والواقعية مصدر المعرفة وان غيره من الظن لا ينفع وان قال به الاكثرون. ولا ريب ان الاكثرية مصدر اطمئنان عند بعض اهل القرائن.

ولاحظ هذا الاعتبار في قوله تعالى :( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام/148]). ان الامر هنا وجه الى كافرين كما هو معلوم وطلب منهم اخراج علم، فالعلم لا يتعارض مع كون ناقله كافرا، وهذا ظاهر في ان المركزية للمتن وليس للناقل اذ النقلة كفرة فضلا عن كونهم فسقة. وفي المقابل قال تعالى (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (*) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة/41، 42]، فالآية صريحة ان علمية الانسان لا تحصنه من الباطل ولا تمنعه فان الملبسين هنا وصفهم بالعلم اي انهم عالمون والمعروف انهم علماء قومهم، والعلم بالإخلال والتحريف كشف عن عدم امانتهم وليس العكس. فالمركزية هنا ايضا للمتن فالخلل بالمتن من تلبيس وكتمان مع درايتهم وضبطهم وعلمهم الا انه كشف عن عدم امانتهم وعدم صدقهم. اجل من خلال بطلان المتن الذي نقلوه عرف عدم امانتهم وليس العكس. فالتقييم النتني طريق الى التقييم النقلي (ومنه السندي) وليس العكس كما هو مشهور الآن.

وانظر الى هذا الاعتبار بالمتن أيضا، قال تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة/144])، ولا ريب ان علمهم بكون الدعوى حق هو لاجل ما فيها من مضمون اي لاجل متنها وليس لمعرفتهم او اعتقادهم ان النبي امين لا يكذب فهم ليسوا من اهل مكة الذين علموا ذلك، كما ان علمهم لم يعصمهم من الانكار والاخلال بالنقل وبما قدموه من نقل، فالعلمية والضبط والخبرة لا تحصن الانسان من الاخلال بالمتن. وهذا العلم انما كان لاجل عرضهم وردهم ما في الدعوى اي المنتن الى ما عندهم. ومثله قوله تعالى (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة/146]) فان درجة اليقين هذه انما تحققت بالرد والعرض ومطابقة ما في دعوى الرسول صلى الله عليه واله لما عندهم وليس لإيمانهم او وثوقهم به. كما ان علمهم وخبرتهم وضبطهم لم يمنعهم من الكتمان والاخلال بالمتن، وكلا طرفي الكلام يبين ان الأساس والمحور هو المتن وليس الناقل ولا السند كما هو مشهور.

في ضوء ما تقدم تتضح مركزية المتن في تبين كون المعرفة حقا بل وفي كون (التصديق) المصدقية الاساس الواجب الذي بتخلفه يتخلف العلم بكونها حقا. ومن هذا يتفرع ويتضح مركزية الصفات المتنية كمميز اساسي للأحاديث الظنية كخبار الاحاد من كونها ما يطمأن له ومما لا يطمأن له. ومن المعلوم هذا التمييز الاطمئناني هو الاساس لجميع المسالك التمييزية العقلائية بجميع مشاربها في مفهوم الحقيقة والعلم، ووفق المنهج المتني ومنهج العرض فالحديث الظني الذي له شاهد ومصدق من القران والسنة يكون داخلا في خانة الاطمئنان والعلم بغض النظر عن قوة طريق روايته او ضعفه. والحديث الظني الذي ليس له شاهد او مصدق من القران او السنة يدخل في خانة عدم الاطمئنان ويبقى ظنا بغض النظر عن ضعف طريقه او قوته. ومن ثم جاء حديث العرض ليكون نصا في الباب كمصداق وتطبيق لكل تلك المعارف وفرعا لها، وهو ما استفاض النقل به والذي سأذكرها مفصلا ومنها قول رسول الله صلى الله عليه واله: إذا حدثتم عني بالحديث فأنحلوني أهنأه وأسهله وأرشده، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن لم يوافق كتاب الله فلم أقله. (اخرجه في المحاسن عن هشام بن الحكم بسند صحيح)، وقال رسول الله صلى الله عليه واله - في خطبة بمنى-: يا أيها الناس ما جاءكم عني يوافق القرآن فأنا قلته، وما جاءكم عني لا يوافق القرآن فلم أقله. (اخرجه في المحاسن عن الهشامين وغيرهما بسند صحيح). وهذا ما نسميه الصدور التنزيلي أي من خلال المتن وموافقته الكتاب يحكم بالثبوت والصدور لأنه قال (فانا قلته). وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أتاكم عنا من حديث لا يصدقه كتاب الله فهو باطل. (اخرجه في المحاسن عن كليب بن معاوية وهو ثقة بسند صحيح)

الرد الى القرآن والسنّة

 


 

قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. توضيح (ت) قال في الوجيز {فإن تنازعتم} اختلفتم وتجادلتم وقال كلُّ فريق: القولُ قولي: فَرُدُّوا الأمر في ذلك إلى كتاب الله وسنَّة رسوله. وقال السعدي ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله، أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية.  وقال الطوسي: فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته. وهو قول مجاهد، وقتادة، وميمون بن مهران، والسدي: والرد إلى الائمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا الباب. انتهى اقول وهو مقتضى الامر بطاعتهم والسنة الامرة بالتمسك بهم حتى عند من لا يقول بعصمتهم.   هذا وقد جاء في الحديث المصدق في النهج قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة. لكن لا بد من توضيح امر ان الله تعالى قال (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ولم يقل الى القرآن والسنة، فتلك التفاسير تفاسير إضافية وهي مصدقة وحق الا ان الأصل ان الرد يكون للرسول صلى الله عليه واله وان ذكر الله تعالى هو تشريفي ومثله كثير في القران. فيكون الرد الى الرسول في حال حياته وبعد مماته يكون الرد الى من يقوم مقامه، وهذا يعني ضرورة وجود من يقوم مقامه يقترب منه، وصرح القران في موضع اخر بأنهم اولو الامر، وهذا يدلل ان الطاعة والرد الى ولي الامر هي من سنخ طاعة الرسول والرد اليه ولا وجه للقول بالاختلاف. ولو الامر هم الاوصياء عليهم السلام بالمعارف المصدقة، نعم في حال غيبة الوصي فانه يرد الى الكتاب والسنة.

وقال تعالى: مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ . ت: قال السعدي { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ } من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه { فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل. وقال ابن عجيبة المختار العموم ، أي : وما اختلفتم فيه أيها الناس من أمور الدين ، سواء رجع ذلك الاختلاف إلى الأصول أو الفروع ، فحُكم ذلك إلى الله ، وقد قال في آية أخرى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ }. وقال الطوسي وقوله (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) معناه ان الذي تختلفون فيه من أمر دينكم ودنياكم وتتنازعون فيه (فحكمه إلى الله) يعني أنه الذي يفصل بين المحق فيه وبين المبطل، لانه العالم بحقيقة ذلك. أقول وهنا يجري الكلام ذاته فيما تقدم بان الرد الى من يتكلم عن الله تعالى بلا ظن او اجتهاد وهو مختص بالنبي صلى الله عليه واله، وبعد وفاته يكون الحكم الى من يقوم مقامه علما وطاعة وهم الاوصياء. نعم في حال غيبة الوصي يكون الرد الى القران والسنة.

 وقال تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. ت:  قال الماوردي { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ } وفيهم ثلاثة أقاويل : أحدها : أنهم الأمراء ، وهذا قول ابن زيد ، والسدي . والثاني : هم أمراء السرايا . والثالث : هم أهل العلم والفقه ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وابن جريج ، وابن نجيح ، والزجاج . قال الطوسي  (ولو ردوه إلى الرسول) بمعنى لو ردوه إلى سنته " وإلى أولي الامر منهم ". قال أبو جعفر (صلوات الله عليه): هم الائمة المعصومون. وقال ابن زيد، والسدي، وأبوعلي: هم امراء السرايا، والولاة، وكانوا يسمعون باخبار السرايا ولا يتحققونه فيشيعونه ولايسألون أولي الامر. وقال الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن أبي نجيح، والزجاج: هم أهل العلم، والفقه الملازمين للنبي صلى الله عليه وآله، لانهم لو سألولهم عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموا به. قال الجبائي: هذا لايجوز، لان أولي الامر من لهم الامر على الناس بولاية.  والاول أقوى، لانه تعالى بين أنهم متى ردوه إلى أولي العلم علموه. والرد إلى من ليس بمعصوم، لايوجب العلم لجواز الخطأ عليه بلا خلاف سواء كانوا امراء السرايا، أو العلماء. انتهى اقول المصدق ان الرد ترتيبي اي الى الرسول حال وفاته وبعده الى اولي الامر وهو الذي يقوم مقام الرسول المفترضة طاعتهم وان الرد الى ولي الامر طريقي فلا بد ان يكون على علم بالله والرسول مما يؤهله ان يكون هاديا وهم الاوصياء صلوات الله عليهم بالنقل المصدق. نعم الاطلاق لا يسقط ولا يبطل في حال غيبة الوصي فيرد الى القران والسنة ولا يعمل الا بما يوافقهما.

ان قوله تعالى :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) هي المحكم في العرض وان الرد الى الله والرسول هو الرد الى رسول الله صلى الله عليه واله في حياته والى وصيه في حال وفاته والى ما هو معلوم من دينه ومن معارف قرانيه وسنية متفق عليهما في حال غياب الوصي.

وقال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. ت: قال ابو السعود { واعتصموا بِحَبْلِ الله } أي بدين الإسلامِ أو بكتابه لقوله عليه الصلاة والسلام : « القرآنُ حبلُ الله المتينُ).  وقال الطوسي و " واعتصموا " امتنعوا بحبل الله واستمسكوا به - الى ان - قال في معنى قوله: " بحبل الله " قولان قال أبوسعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كتاب الله. وبه قال ابن مسعود. وقتادة والسدي. وقال ابن زيد " حبل الله " دين الله أي دين الاسلام. وقوله: " جميعا " منصوب على الحال. والمعنى اعتصموا بحبل الله مجتمعين على الاعتصام به. انتهى، فالاعتصام هو التمسك اي عمليا هو الرجوع والرد. أقول حبل الله وفق منهج العرض هو المعلوم المتفق عليه من معارف القران والسنة والتي يحكم بها العالم بها من ولي من نبي او وصي. فهذه الآية بمعنى ما تقدم وهي تفيد العرض والرد الى تلك المعارف.

ان هذا الايات هي الاساس النقلي في منهج العرض - اي عرض الحديث على القران والسنة - مع الاساس العقلائي والفطري للقرائنية وللتمييز والرد والفرز.  ولا يقال انها في مورد الاختلاف، حيث انها ولأجل مجيئها موافقة لسلوك عقلائي عام انما كانت من باب المثال والمصداق والتطبيق. وهذا الذي يشهد له أصل نقلي اخر هو ايضا يقع ضمن إطار السلوك العقلائي في احراز وقصد توافق المعارف وتناسبها وتناسقها وهو الاصل الثاني التالي اي ان الحق يصدق بعضه بعضا.

ان الرد الى المعارف الثابتة والاخذ بما وافقها هو شرط من شروط الاطمئنان للخبر وافادته العلم العرفي والذي يعتبر فيه عند العقلاء ان يكون موافقا لما هو معلوم من معرفة لان التناسب والاتساق بين المعارف علامة الصدق وهو ما تتبناه الفلسفة المعاصرة. والشاهد على اعتبار التناسق والاتساق وعدم الاختلاف في المعارف الشرعية ادلة نصية كثيرة دلت على اعتبار موافقة الخبر للقران والسنة بألفاظ وصور مختلفة يأتي تفصيلها.

 

10/13/2021

الحق يصدق بعضه بعضا

 


قال الله تعالى: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة/91]. ت: قال في تفسير الجلالين {بِمَا وَرَاءَهُ} سواه أو بعده من القرآن {وَهُوَ الحق} حال {مُصَدِّقاً} حال ثانية مؤكدة. وقال ابو السعود {مُصَدّقاً} حالٌ مؤكدة لمضمون الجملةِ صاحبُها إما ضميرُ الحق وعاملَها ما فيه من معنى الفعل قاله أبو البقاء، وإما ضميرٌ دل عليه الكلامُ وعاملها فعلٌ مضمرٌ، أي أُحِقُّه مصدِّقاً. وعن ابن عجيبة وهم {يَكْفُرُونَ بِمَا ورَاءَهُ} أي: بما سواه، وهو القرآن، حال كونه {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ}.  وقال الطوسي قوله: " هو الحق مصدقا " يعني القرآن مصدقا لما معهم - ونصب على الحال - ويسميه الكوفيون على القطع. انتهى وقوله على القطع يفصله الطبرسي حيث قال : قوله « مصدقا » نصب على الحال و هذه حال مؤكدة قال الزجاج زعم سيبويه و الخليل و جميع النحويين الموثوق بعلمهم أن قولك هو زيد قائما خطأ لأن قولك هو زيد كناية عن اسم متقدم فليس في الحال فائدة لأن الحال يوجب هاهنا أنه إذا كان قائما فهو زيد و إذا ترك القيام فليس بزيد فهذا خطأ فأما قولك هو زيد معروفا و هو الحق مصدقا ففي الحال هنا فائدة كأنك قلت أثبته له معروفا و كأنه بمنزلة قولك هو زيد حقا فمعروف حال لأنه إنما يكون زيدا بأنه يعرف بزيد و كذلك القرآن هو الحق إذا كان مصدقا لكتب الرسل (عليهم السلام). انتهى، اقول قوله (كذلك القرآن هو الحق إذا كان مصدقا لكتب الرسل) هو نص أصل التصديق (المصدقية) بان المصدقية من ملازمات الحق وعلاماته، وكلام الاعلام المتقدم يوجب الجزم بذلك اظهرها قول ابو السعود (احقه مصدقا).

وقال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران/3] ت وهو كسابقه.  الا انه عبر (بالحق)، وما يكون بالحق هو الحق، كما ان بالحق فيه ميزة إضافية انه ملازم له وهو ما ينفي عنه الباطل من تحريف ونحوه، كما انه ينفي انعدام الحق به وهو موجب لمن يعلم بالحق به ويعلمه بالحق.

قال تعالى: وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [البقرة/41] ت: قال السعدي { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب، غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به، لأنه جاء بما جاء به المرسلون، فأنتم أولى من آمن به وصدق به، لكونكم أهل الكتب والعلم. وقال السمرقندي {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ}، أي صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً أي موافقاً لما معكم.  قال الطبرسي « آمنوا » أي صدقوا « بما نزلنا » يعني بما نزلناه على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) من القرآن و غيره من أحكام الدين « مصدقا لما معكم » من التوراة و الإنجيل اللذين تضمنتا صفة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) و صحة ما جاء به. قال الطوسي :" آمنوا " معناه صدقوا، لانا قد بينا ان الايمان هو التصديق " بما انزلت " يعني بما انزلت على محمد " صلى الله عليه و اله " من القرآن. وقوله: " مصدقا " يعني ان القرآن مصدق لما مع اليهود من بني اسرائيل من التوراة وامرهم بالتصديق بالقرآن، واخبرهم ان فيه تصديقهم بالتوراة، لان الذي في القرآن من الامر بالاقرار بنبوة محمد " ص "، وتصديقه نظير الذي في التوراة والانجيل وموافق لما تقدم من الاخبار به، فهو مصداق ذلك الخبر وقال قوم: معناه انه مصدق بالتوراة والانجيل الذي فيه الدلالة على انه حق والاول الوجه، لان على ذلك الوجه حجة عليهم، دون هذا الوجه. انتهى اقول المصدق ان الاحتجاج بالمصدقية اي كون السابق مصداقا للتالي مما يدل على ان الثاني هو الحق يجب الايمان به. ولاحظ كيف امر الله تعالى بالايمان لاجل انه مصدق، فوضع المصدقية بدلا من الحق المصرح به في آيات اخرى. فجعل الموجب للإيمان هنا المصدقية وقد جعل موجبها الحق في آيات اخر، وهذا فيه نوع من البدلية للملازمة. وهو من ادل ادلة اصل المصدقية وان التصديق علامة الحق والصدق.

قال تعالى: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [فاطر/31]. ت: وهو يشعر ايضا بالملازمة بين الكتاب (الحق) والمصدقية و يجري فيه الكلام السابق. ويكشف بان من صفات ما يكون من الكتاب انه مصدق ويصدق بعضه بعضا، والكتاب يستفاد منه انه مثال للمعارف الشرعية فيجري فيها أصل المصدقية وان علامة كون المعرفة شرعية ومن الكتاب انها مصدقة. وهذا الاثبات هو ذاتي للكتابية والشرعية بخلاف غيرها فانه اثبات للحق والصدق ومن خلالهما يثبت انه الكتاب وانه من الله تعالى. وهذا ما يمكن من القول ان الفروع الاستنباطية ليست إضافات خارجية على الشريعة والكتاب وانما هي امتدادات للكتاب وتفرعات تنتمي اليه حقيقة وان كان انتماء معرفيا وليس تنصيصا.

قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء/82] ت:  قال السعدي (ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلا. وقال ابن عجيبة يقول الحقّ جلّ جلاله : أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون { القرآن } ، وينظرون ما فيه من البلاغة والبيان ، ويتبصّرون في معاني علومه وأسراره ، ويطلعون على عجائب قصصه وأخباره ، وتَوافُق آياتهِ وأحكامه ، حتى يتحققوا أنه ليس من طوق البشر ، وإنما هو من عند الله الواحد القهار ، { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } بَين أحكامه وآياته ، من تَفَاوتِ اللفظ وتناقض المعنى ، وكَون بعضه فصيحًا ، وبعضه ركيكًا، وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل ، وبعضه توافق أخباره المستقبلة للواقع ، وبعضه لا يوافق ، وبعضه يوافق العقل ، وبعضه لا يوافقه ، على ما دل عليه الاستقراء من أن كلام البشر ، إذا طال ، قطعًا يوجد فيه شيء من الخلل والتناقض. قال الطوسي " نزله على قلبك " يا محمد " مصدقا لما بين يديه " يعني القرآن، ويعني مصدقا لما سلف من كتب الله امامه التي انزلها على رسله، وتصديقا لها: موافقة لمعانيها. انتهى اقول المصدق ان السابق يكون مصداقا و مصدقا للتالي فقوله مصدقا لما قبله اي موافقا وبهذه الموافقة يكون السابق مصداقا للموافق. قال الطبرسي  و قوله « مصدقا لما بين يديه » معناه موافقا لما بين يديه من الكتب و مصدقا له بأنه حق و بأنه من عند الله لا مكذبا لها . وقال في موضع اخر  « مصدقا لما بين يديه » أي لما قبله من كتاب و رسول عن مجاهد و قتادة و الربيع و جمع المفسرين و إنما قيل لما بين يديه لما قبله لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه و قيل في معنى مصدقا هاهنا قولان ( أحدهما ) أن معناه مصدقا لما بين يديه و ذلك لموافقته لما تقدم الخبر به و فيه دلالة على صحة نبوته (صلى الله عليه وآله وسلّم) من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا و هو من عند الله علام الغيوب ( و الثاني ) أن معناه أن يخبر بصدق الأنبياء و بما أتوا به من الكتب. ولا يكون مصدقا للبعض ومكذبا للبعض. انتهى اقول الوجه هو الأول.  ولاحظ قوله (و فيه دلالة على صحة نبوته (صلى الله عليه وآله وسلّم) من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا و هو من عند الله علام الغيوب) فانه بين ان الموافقة دالة على الصحة، بل هو نص في اصل المصدقية وانها علامة للصدق والحقيقة، و استدلاله مستند على الفهم العقلائي بان ما هو كذلك لا يكون الا حقا من عالم الغيب لاجل الموافقة. وذكر القران من المثال للحق الشامل للقران والسنة اي للمعارف الدينية. وان من اهم معجزات المعارف الشرعية - مع عددها الكبير جدا الذي هو بالآلاف من القضايا- انها غير متعارضة ولا متناقضة فكان هذا كاشفا ان التوافق والتناسق اوليا فيها وذاتيا. وهذا في المعارف المعلومة فينبغي ان لا يخل بذلك بمعارف ظنية بل ينبغي ايضا ان تكون بلا تناقض ولا اختلاف ومتوافقة ومتناسقة مع المعلوم من الشرع.

اقول ان هذه الايات تدل على ان المصدقية مما يوجب الاطمئنان ومعرفة الحق وتمييزه ان لم نقل بانها ملازمة لذلك، وان عدم المصدقية مما يبعث على عدم الاطمئنان ان لم يمنعه. وان هذا الاصل بمعية الاصل السابق والاصل العقلائي بل الفطري من العرض والرد في التمييز والفرز يحقق نظاما معرفيا معلوما وثابتا، هو مصدق وشاهد لحديث العرض. بل ان هذه الاصول بنفسها كافية في اثبات العرض ولو من دون الحديث. وهل حديث العرض في حقيقة الامر الا من فروع تطبيقات تلك الاصول ومصداق لها وليس تأسيسا لمعرفة مستقلة وهو ظاهر لكل متتبع.

والتصديق (المصدقية) معرفيا هي الموافقة وليست شيئا أخص منها كما قد يتصور، وذلك بوجود الشاهد والمصدق وعامل الاتساق والتناسق، فيكون الاختلاف وعدم الموافقة عدم الشاهد وعدم المصدق وانعدام عوامل الاتساق والتناسق. ان أي خلل في التناغم  والاتناسق والاتساق هو عدم موافقة. ومن هنا يتبين ان الموافقة ليست عدم التعارض بل الموافقة عدم التناسق، كما ان عدم الموافقة ليس التعارض والتقاطع بل عدم التناسق وعدم الاتساق، كما ان الموافقة ليست المطابقة بل التناسق والاتساق. فالتصديق (المصدقية) قد يكون بوجود مصدق مطابق او مصدق موافق دلاليا، او وجود شاهد معرفي مطابق او موافق معرفيا. وعدم الموافقة قد تكون بالتعارض؛ سواء التعارض المستقر التام او التعارض الذي لا يقبل الجامع عرفا، او بعدم الاتساق وعدم التناسق دلاليا او معرفيا.

 ومن هنا يتبين جليا ان الموافقة التي في حديث العرض يراد بها ان يكون له مصدق وشاهد واصل في القران والسنة وليس مطلق عدم المخالفة وهذا هو معنى الموافقة لنصوص القران والموافق لحقيقة الاتصال المعرفي والاتساق وعليه أحاديث نصت على ذلك سياتي ذكرها. وهذا الشرط هو الكفيل فعلا بإخراج الخبر من الظن الى العلم والكفيل بتحقيق الاتصال المعرفي.

10/10/2021

الاصول الشرعيىة وفروعها

 

الأصل في اللغة الأساس، يقال: أصل الشيء: أساسه ومرتكزه. قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم/24] أي أساسها ومرتكزها. وهو كذلك في قوله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الحشر/5]. والاصل في الأمور الاعتبارية بهذا المعنى ايضا، فاصل المسألة أساسها ومرتكزها. وبخصوص المعارف فان أصولها تعني المعارف الأكثر رسوخا وثبوتا والتي يكون لها جانبان في الملاحظة والوعي؛ الأول انها المرتكز والمعتمد لغيرها بتصديقها وشهادتها لها والثانية انها الأساس الذي تكون منه. فتكون تلك المعارف الراسخة اصولا وما يرتكز عليها ويتأسس عليها هي الفروع.

للمعارف الشرعية اصلان هما القران والسنة، ومنهما تتفرع باقي المعارف، وهذا التفرع حقيقي وليس اعتباريا فقط، فانه حقيقي في نفس الامر وفي طريقة تولد وتكثر المعارف الشرعية في نفسها مستقلة عن المتلقي والمطلع والعارف بها. وستعرف ان الأصول الشرعية من قران وسنة لها جانبان من البحث، الأول بما هي مصدقات والثاني بما هي أسس. والجانب التصديقي يعني ان يكون في الأصل ما يدعم ويساند ويصدق الفرع، وهذا يكون بطريقتين: الأولى بالتفرع الدلالي والثانية بالتفرع المعرفي. واما الجانب التأسيسي فان المعارف الشرعية تبنى على الأصول وعلى أصل الأصول الذي هو القران، ومنه تتفرع السنة التي هي أصل أيضا من حيث استقلال الحجية، فالسنة أصل من وجه بما هي حجة مستقلة وفرع من وجه بان ثبوتها مرتكز على القران. ومنهما تتفرع الفروع الاستنباطية. وحقيقة المعارف الاستنباطية انها خصائص طبيعية للمعارف النصية الاصلية، حيث ان كل نص له ابعاد فكرية ومعرفية وظلال في الوعي وبممارسة العقل كمدرك وكمحلل، تكون مسؤولة عن إعطاء التصور الكامل للمعرفة المتصلة بالأصل. فالمعارف الاستنباطية في الحقيقة تنتمي الى المعارف النصية انتماء جزئيا حقيقيا وما يقوم به المستنبط ليس تكوينها ولا جعلها بل اكتشافها وتبيينها وابرازها.

المعارف الفرعية تتفاوت في درجة القرب والبعد من المعارف الاصلية دلاليا ومعرفيا، وكلما كانت أقرب من حيث المضامين والإخبارات والاتجاهات كانت أوضح بالانتماء وكلما كانت ابعد كان انتماؤها اقل وضحا. وان درجات القرب والبعد بين الفرع والاصل وبين الأصول وبين الفروع بل بين جميع المعارف يدرك من خلال الموقف الفكري والتشابه والاختلاف الوصف للموضوعات التي تتعلق بها المعارف، من حيث السلب والايجاب بتجاه مؤشر معين او من خلال الخصائص التي تتمظهر بها، فاهم جانبين يدرك بها القرب والبعد هما الشكل والمضمون والتعامل معهما واضح جدا وراسخ في وجدان الانسان وفطرته.

والتصديق (المصدقية) في الوعي والجدان قد يكون بوجود مصدق مطابق او مصدق موافق دلاليا، او وجود شاهد معرفي مطابق او موافق معرفيا. وعدم الموافقة قد تكون بالتعارض؛ سواء التعارض المستقر التام او التعارض الذي لا يقبل الجمع عرفا، او بعدم الاتساق وعدم التناسق دلاليا او معرفيا. والاطلاق والعموم الظاهري لا يمنع من العمل بالتخصيص والتقييد ان كان للتخصيص والتقييد شاهد ومصدق. ويأتي تفصيل ذلك.

والأصول بحسب المدرسة العرضية هي النصوص القرانية والسنية، من آيات وروايات، وهي في الواقع المضامين، فالنص من اية ورواية قد يحتوي أكثر من مضمون، كما ان مضمونا معينا قد يتكون من أكثر من نص. ومن تلك المضامين تتفرع الفروع الاستنباطية، بعملية اشتقاق لفظية ومعرفية عقلائية واضحة.

 

ان العرضية تسعى الى ربط الفروع بالأصول وجعل عالمها واقعيا من حيث المعرفة والقرابة والاتصال والترابط فلا غرابة ولا فراغات ولا قفز ولا عدم تفسير بل كل شيء واضح ومفسر ومبين وفق طريقة العقلاء وفطرتهم في الادراك والاستقرار والثبوت.

وهنا يبرز مفهوم الغيب، فالغيب ليس مجرد اخبار عن امر غائب من دون مناسبة معرفية بل ان الغيب متصل بالحاضر اتصالا معرفيا طبيعيا، فالانتقال من الحاضر والشهود الى الغيب هو انتقال تطوري وليس طفرة حدوثية. والايمان ليس امرا تسليميا بل هو امر موضوعي منطقي دوما. ومن هنا يمكن فهم الغيب بانه معارف مستقبلية بالمعنى الفلسفي وانه علوم متطورة من جهة القدرة والامكانية، وبعضها يحتاج الى لطف إلهي لتدرك، وهذا ما يحصل في الانتقال من الدنيا الى الاخر، فالانتقال من الدنيا الى الاخر هو انتقال ادراكي تطوري وليس خلق نوع مختلف من الادراك، كما ان جميع الخصائص في الواقع الغيبي ومنه الاخروي يمكن تفسيرها فيزيائيا الا انها فيزياء عالية أي فيزياء مستقبلية يعجز العقل الان عن ادراكها ويحتاج الى لطف إلهي ليتمكن من ذلك. وعلى كل حال فالواقعية والطبيعية والتناسقية والاتساقية والعلمية والفيزيائية أمور مترسخة في الادراك البشري وليس هناك ما يدل قطعا على نسخها او رفعها ولو في الاخرة بل الدلائل على خلافه. فالغيب له أصول في الحاضر، والباطن يجب ان يكون له مصدق في الظاهر، والايمان يجب ان يكون له شاهد في التجربة، والمستقبل يجب ان يكون له مصدق في الواقع. هكذا تتفرع المعارف بلا قفزة معرفية ولا فراغ، وكل ما ليس له أصل او شاهد او مصدق فهو ظن لا يصح اعتماده. وهذا أيضا يبين وجه العلاقة بين مجموعة المعطيات الإدراكية في الشريعة من ادلة او معارف حقيقية واعتبارية، فالحقيقي يقدم على الاعتباري، ويكون أصله ويكون بمثابة الواقع له ويكون الاعتباري والانتزاعي ظاهريا بالنسبة له، والظاهري يجب دوما ان يحمل على الواقع، فان اختلف معه حكم بانه ظن لا يعمل به، وان ثبت صدوره حكم بانه متشابه فيؤول. وهذا من قواعد الفقه التصديقي العرضي الذي يتميز به عن الفقه اللفظي السائد.




10/09/2021

تعريف بالمدرسة العرضية

 

هذا بيان للمدرسة العرضية؛ (المدرسة العرضية؛ منهج العرض العلمي التصديقي في فقه الشريعة). والمدرسة هي المذهب المتبع في التعامل مع موضوع معين، وموضوع البحث هنا هو فقه الشريعة. فالمدرسة العرضية تقابل غيرها من المدارس الفقهية، واهمها الأصولية والاخبارية. فالمدرسة العرضية ليست أصولية ولا إخبارية وهذا ما سيتبين في الفصول القادمة.

والمنهج هنا هو الطريقة البحثية في التعامل مع المعطيات العلمية أي الأدلة الشرعية وما تؤدي اليه.  وقد ورد لفظ المنهاج في القران والسنة.

والعرض يعني أساسا عرض الحديث على القران. ويتوسع الى عرض جميع المعارف الشرعية النقلية والقولية على القران بالكريم. وينتهي بعرض المعارف الشرعية بعضها على بعض. بعرض المعرفة الجديدة على المعرفة السابقة أي عرض ما هو غير ثابت على ما هو ثابت لبيان مدى توافقه وتناسقه معه.

ومن يعتمد المنهج العرضي يسمى عارضيا. والعرض ليس امرا مختصا بالشريعة بل ان أساس الادراك الواقعي هو عرض المعارف بعضها على بعض، فلا استقرار الا لما وافق ما سبق وكل ما يخالف ما سبق يبقى غير مستقر حتى تتوالى المعطيات مؤكدة له فيأخذ بالاستقرار شيئا فشيئا. فمنهج العرض أداة للإنسان لمعرفة الصدق والحقيقة.  وورد في القران نظيره بألفاظ الرد وفي السنة ورد صريحا لفظ العرض.

والعلمية هنا تقابل الظن، فيشمل العلمي القطع والتصديق. فالمعرفة اما ظن او علم والعلم اما قطع او غير قطع، والأخير يحصل بالاطمئنان المميز ويتحقق بان تكون للمعرفة شواهد مما هو ثابت ومعلوم. فالعرض على القران يعني قصد التناسق والتوافق والاتساق، الذي هو من علامات العلم والحقيقة والواقع. فواقعنا ما كان واقعا الا لإنه متسق واي خرق لهذا الا تساق يسمى ظاهرة غير طبيعية. فعرض المعارف على القران يخرجها من الظن الى العلم. والمعارف التي هي ظن كخبر الواحد، يجب عرضها على القران، فان كان له شاهد أصبح علما وصح اعتماده والا كان ظنا لا يصح اعتماده. والمفهوم يتسع لكل معرفة، فما شهد له القران فهو الحقيقة، وما لا يشهد له القران فهو وهم. وبهذا يعلم دخول موافقة القران في تعريف الحقيقة واليقين، فلا علم ولا حق ولا صدق ولا ايمان ولا يقين الا بموافقة القران.

لا بد من التأكيد انه لا تعارض بين العلم (الوضعي) والدين، بل العلم جزء من الدين وكل ما يقره العلم يقره الدين وكل مخالفة بين العلم والنص الشرعي فأما ان يحكم بظاهرية النص الشرعي او يأول. ولا يقال ان العلم الوضعي مرحلي تغيري، فان النص الشرعي ظاهري واسع يسع هذا التغير. والمعرفة تحمل على العلم فان بان التغير تحمل على التغير الجديد بلا اشكال، وهذا من خصائص الحقيقة الطبيعية في الادراك البشري العادي وهو كاشف عن عدم تمام قصد المثالية وان القصور مترسخ في المعرفة البشرية ودال على الكمال لله تعالى وحده.

والتصديقي هنا أي ان المعارف يصدق بعضها بعضا، فتتناسق وتتسق إضافة الى عدم الاختلاف، بان يكون للمعرفة الجديدة أصل وشاهد ومصدق في المعارف المعلومة الثابتة من القران والسنة يصدقها ويشهد لها. وستعرف ان الأصل اما مصدق او شاهد للفرع الذي يصدقه. والتصديق او (المصدقية) هي محور منهج العرض وعليه مداره، ولذلك سيكون تفصيل فيها. والتصديق ورد نصا في القران وورد لفظ (مصدق) وورد مثله في السنة.

والفقه الفهم وهو في المعارف بشكل عام العلم، والعلاقة بين العلم والمعرفة على ما استخلصته ان العلم طريق للمعرفة وصفة لها، بينما المعرفة هي الادراك وهي النهاية. ولذلك فالفقه هو العلم بالشريعة واصله من هذه الجهة التفقه، فان الفقه بحسب السنة هو العمل بالعلم وليس العلم وحده، وليس هنا موضع بيانه.

والشريعة هنا المعرفة الدينية الإسلامية، ولا ريب في وجود تداخل لغوي عرفي وفي الوعي بين الدين والشريعة الا ان كل منهما وجه لمعرفة واحدة فحينما ينظر اليها من جهة المعتقِد فهي دين وحينما ينظر اليها كمعرفة فهي شريعة. فالدين في أصله ما يدين به الانسان والشريعة في أصلها الطريقة، وكلاهما صفة لمعرفة واحدة الا انهما يختلفان من جهة الملاحظة والنظرة لتلك المعرفة. ولأننا نتعامل أساسا هنا باعتبار المعارف الدينية شريعة وطريقة وكيف نتوصل اليها كان لفظ الشريعة انسب. فالمقصود هنا كل ما يتعلق بدين الانسان، بل ان البحث هنا يقدم فلسفة إسلامية شرعية بخصوص نظرية المعرفة ولو من خلال بيان المثال والمصداق. لان المعرفة الشرعية هي جزء من المعرفة البشرية وليست شيئا مباينا في قبالها.

فالخلاصة المدرسة العرضية تعنى بعرض المعارف الشرعية بعضها على بعض بعرض الجديد على ما هو ثابت ومعلوم منها، فلا يقبل الا ما كان له شاهد ومصدق مما هو ثابت ومعلوم من القران والسنة. وبعبارة أكثر تحديدا هو عرض المعارف النقلية والقولية على المعارف الثابتة المعلومة من محكم القران الكريم وقطعي السنة.

 ان الغرض من منهج العرض في فقه الشريعة هو الوصول الى معارف شرعية صادقة حقة متسقة متناسقة في الشريعة.  ومع ان المدرسة الأصولية نقدية الا انها تقبل الظن وخبر الواحد ومع ان المدرسة الإخبارية علمية الا انها تسليمية لا نقدية، وظاهرية، فلدينا المدرسة الظنية وهي السندية (الأصولية) والتسليمية (الإخبارية) الظاهرية، والمدرسة العلمية (العرضية) التصديقية.  وستعرف ان المدرسة العلمية العرضية هي الاقدر على تحصيل معارف شرعية متناسقة متوافقة متسقة غير مختلفة ولا متباعدة وهذه كلها علامات الحقيقة والصدق وفق البيانات الشرعية الإسلامية وأيضا وفق تعاريف الفلسفة الحديثة.  

9/28/2021

تعريف

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد واله الطاهرين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.

هذا بيان للمدرسة العرضية؛ (المدرسة العرضية؛ منهج العرض العلمي التصديقي في فقه الشريعة). والمدرسة هنا هو المذهب المتبع في التعامل مع موضوع بحثي معين او هو عموم المنهج في التعامل مع المعارف في علم معين او في موضوع معين، والموضوع هنا هو فقه الشريعة. فالقصد هنا مقابلة غيرها من المدارس الفقهية، وتمييز ذلك المذهب والمنهج والاعلان عنه، فهذا الكتاب بمثابة اعلان عن المدرسة العرضة وبيان ملامحها في قبال المدارس الفقهية الاخرى.

والمنهج هنا هو الطريقة والمذهب العلمي البحثي بالتعامل مع المعطيات والأدلة الشرعية.  وقد ورد لفظ المنهاج في القران والسنة.

والعرض هنا يعني عرض الحديث على القران بل عرض جميع المعارف النقلية والقولية على القران بعرض المعارف بعضها على بعض أي عرض المعرفة الجديدة على المعرفة السابقة أي عرض ما هو غير ثابت على ما هو ثابت لبيان مدى توافقه وتناسقه معه وهو اجراء فطري في الادراك البشري الا انه غير محسوس لرسوخه ووجدانيته العميقة. ومثله بالضبط يحصل في باقي المعارف والادراكات. والعارضية بلحاظ الفاعل للعرض هي مذهب العارضي والعارضيين الذين يعرضون الحديث على المعارف الثابتة من القران والسنة كما سياتي تفصيله، ومن يعتمد المنهج العرضي يسمى عارضيا. والبحث هنا من بيان المثال لمعرفة اعم تشمل عرض كل معرفة مدركة على القران والسنة لأجل الحكم بصدقها وبطلانها او انها حق وباطل.  فيكون القران محور وركن معارفنا والذي وفقه يتبين الصدق من الكذب والحق من الباطل.

 والعلمية هنا ما يقابل الظن، فالعرض على القران يعني قصد التناسق والتوافق والاتساق، ولا ريب ان الاتساق من علامات العلم والحقيقة، وواقعنا ما كان واقعا الا لإنه متسق واي خرق لهذا الا تساق يسمى ظاهرة غير طبيعية. فعرض المعارف على القران يخرجها من الظن الى العلم، والمعارف التي هي ظن الواحد، يجب عرضها على القران، فان كان له شاهد أصبح علما وصح اعتماده والا كان ظنا لا يصح اعتماده. وأيضا المفهوم يتوسع الى كل شيء في الحياة فما شهد له القران فهو العلم والحقيقة وان سمي في العرف غيبا او ايمانا، وما لا يشهد له القران فهو ظن وان سمي في العرف علما ويقينا. وبهذا يعلم دخول موافقة القران في تعريف العلم والحقيقة واليقين بل والايمان، فلا علم ولا حق ولا صدق ولا ايمان ولا يقين الا بموافقة القران بل لا واقع الا بموافقة القران. والعرض ليس امرا مختصا بالشريعة بل ان أساس الادراك في هذه الحياة هو عرض المعارف بعضها على بعض، فلا استقرار الا لما وافق ما سبق وكل ما يخالف ما سبق يبقى وغير مستقر حتى تتوالى المعطيات مؤكدة له فيأخذ بالاستقرار شيئا فشيئا. فمنهج العرض أداة للإنسان لمعرفة الصدق والحقيقة.   وورد في القران نظيره بألفاظ الرد وفي السنة ورد صريحا لفظ العرض.

والعلمي هنا ما يقابل الظني، فيشمل القطع والتصديق. فالمعرفة اما ظن او علم والعلم اما قطع او غير قطع، والأخير يحصل بالاطمئنان المميز ويتحقق بان تكون للمعرفة شواهد مما هو ثابت ومعلوم.  ولا بد من التأكيد وهو ما سأبينه مفصلا انه لا تعارض بين العلم ( الوضعي) والدين، بل العلم جزء من الدين وكل ما يقره العلم يقره الدين وكل مخالفة بين العلم والنص الشرعي فأما ان يحكم بظاهرية النص الشرعي او يأول، ولا يقال ان العلم الوضعي مرحلي تغيري، فان النص الشرع ظاهري واسع يسع هذا التغير وما دام النص كلاما ووحدة لغوية غير مباشر فهو يحمل على الادراك المباشر العلمي، وان بان التغير يحمل على التغير الجديد بلا اشكال، هذا من خصائص الحقيقة الصدق الطبيعي في الادراك البشري العادي وهو كاشف عن عدم تمام قصد المثالية وان القصور مترسخ في المعرفة البشرية وهو من علامات التوحيد والعلم ان الكمال لله تعالى.

والتصديقي أي ان المعارف يصدق بعضها بعضا فتتناسق وتتسق إضافة الى عدم الاختلاف، بان يكون للجديد أصل في المعارف المعلومة الثابتة من القران والسنة يصدقها ويشهد لها، وستعرف ان الأصل اما مصدق او شاهد للفرع الذي يصدقه. والتصديق او (المصدقية) هي محور منهج العرض وعليه مداره، ولذلك سيكون تفصيل فيها. والتصديق ورد نصا في القران وورد لفظ (مصدق) وورد مثله في السنة.

والفقه الفهم وهو في المعارف بشكل عام العلم، والعلاقة بين العلم والمعرفة ان العلم طريق للمعرفة وصفة لها، بينما المعرفة هي الادراك وهي الموضوع وهي النهاية وأحيانا يستعملان أي العلم والمعرفة بمعنى واحد وهذا غير تام. فالعلم طريق والمعرفة موضوع الطريق وغايته. ولذلك فالفقه هو العلم بالشريعة واصله من هذه الجهة التفقه، وهناك استعمال خاص في السنة للفقه والعلم بمعنى العمل والتمسك، فالفقيه ليس من يعلم الشريعة فقط بل من يعمل بها فيلحظ الجانب العملي فيها، ولذلك الفقهاء يتفاوتون ليس بالجانب العلمي بل بالجانب العملي ولأجل ان هذا المعنى وهو واقعي بعيد ان الاستعمال المعروف في الأبحاث فإننا نستعمل المعنى السائد، والا فان هذا الفهم للفقه جوهري وحقيقي لان المقصد كله والغاية هو تقوى الله والعمل بأمره وليس مجرد تعلم تعاليمه.

والشريعة هنا المعرفة الدينية الإسلامية، ولا ريب في وجود تداخل لغوي عرفي وفي الوعي بين الدين والشريعة الا ان كل منهما وجهان لمعرفة واحدة فحينما ينظر اليها من جهة المعتقد فهي دين وحينما ينظر اليها كمعرفة فهي شريعة، فالدين في أصله ما يدين به الانسان والشريعة في أصلها الطريقة، وكلاهما صفة لمعرفة واحدة الا انهما يختلفان من جهة الملاحظة والنظرة لتلك المعرفة. ولأننا نتعامل معها أساسا هنا من الجهة والنظرة الثانية أي باعتبار المعارف الدينية شريعة وطريقة وكيف نتوصل اليها كان لفظ الشريعة انسب. فالمقصود هنا كل ما يتعلق بدين الانسان، بل ان هذا البحث هو من المثال لعام العرض والتصديق في المعارف، فالبحث ينطوي على نظرية معرفة بالمصطلح الفلسفي، وهو يقدم فلسفة إسلامية شرعية بخصوص نظرية المعرفة ولو من خلال بيان المثال والمصداق. لان المعرفة الشرعية هي جزء من المعرفة البشرية وليست شيء في قبالها، وهنا يبرز مفهوم الغيب، فالغيب ليس مجرد اخبار عن امر غائب من دون مناسبة معرفية بل ان الغيب متصل بالحاضر اتصالا معرفيا طبيعيا، فالانتقال من الحاضر والشهود الى الغيب هو انتقال تطوري وليس طفرة حدوثية والنص يحمل على ما قلت لأنه الراسخ في وجداننا، والايمان ليس امرا تسليميا بل هو امر موضوعي منطقي دوما. ومن هنا يمكن فهم الغيب بانه معارف مستقبلية بالمعنى الفلسفي وانه علوم متطورة من جهة القدرة والامكانية، وبعضها يحتاج الى لطف الهي ليحصل الادراك به وهذا ما يحصل في الانتقال من الدنيا الى الاخر، فالانتقال من الدنيا الى الاخر هو انتقال ادراكي تطوري وليس خلق نوع مختلف من الادراك، كما ان جميع الخصائص في الواقع الغيبي ومنه الاخروي يمكن تفسيرها فيزيائيا الا انها فيزياء عالية أي فيزياء مستقبلية يعجز العقل الان عن ادراكها ويحتاج الى لطف الهي ليتمكن من ذلك. وعلى كل حال فالواقعية والطبيعية والتناسقية والاتساقية والعلمية والفيزيائية أمور مترسخة في الادراك البشري وليس هناك ما يدل قطعا على نسخها او مسخها او رفعها من الادراك البشري ولو في الاخرة بل الدلائل على خلافه وليس هنا موضع تفصيل هذا الكلام.

وفي الشريعة المدرسة العرضية تعنى بعرض المعارف الشرعية على ما هو ثابت ومعلوم منها، فلا يقبل الا ما كان له شاهد ومصدق مما هو ثابت ومعلوم. وبعبارة أكثر تحديدا هو عرض المعارف النقلية والقولية على المعارف الثابتة المعلومة من محكم القران الكريم وقطعي السنة.  والاصل لها أصل قراني هو التصديق (المصدقية) ونفي الاختلاف واصل سني هو عرض الحديث على القران.

ولقد تحولت في سنة 1342 هجرية أي قبل عشر سنوات كليا الى منهج العرض بعد ان كنت سنديا، وفي الواقع كانت لي تعليقات على مسائل عقائدية وشرعية (فقهية) وفي أصول الفقه ومقدماته قبل تلك الفترة وكتب وفق المنهج السندي، وبعد ان تبنيّت منهج العرض راجعت الكثير من تلك المسائل، ومع انني ابقيت تلك الكتب السندية الا ان عملي الان على المدرسة العرضية.

ان الغرض من منهج العرض العلمي التصديقي في فقه الشريعة هو الوصول الى معارف صادقة حقة متسقة متناسقة في الشريعة، وإنك تجد ملامح هذه المدرسة العلمية (اللاظنية) عند مجموعة من الفقهاء لكن بنسب متفاوتة من حيث النظرية والتطبيق الا ان أكثر الفقهاء تنظيرا وتطبيقا للمنهج العلمي غير القابل للطن في الشريعة هما السيد المرتضى والشيح ابن ادريس رضي الله عنهما بعدم اعتمادهما اخبار الاحاد، وفي عمق المنهج وجوهره يمكن القول ان المدرسة العرضية تقترب من منهجهما. ومع ان المدرسة التسليمية الإخبارية توجب العلم في الشريعة ولا تقبل الظن الا انها تقبل اخبار الاحاد وهذا غير تام، فلدينا المدرسة الظنية وهي السندية (الأصولية) والتسليمية (الإخبارية) والمدرسة العلمية (العرضية).  وستعرف ان المدرسة العلمية العرضية هي الاقدر على تحصيل معارف شرعية متناسقة متوافقة متسقة غير مختلفة ولا متباعدة وهذه كلها علامات الحقيقة والصدق وفق البيانات الشرعية الإسلامية وأيضا وفق تعاريف الفلسفة الحديثة. وإذ انا ابين هذا المنهج ومعالمه فإنما ارجو ابعاد الظن والاختلاف والتباعد وعدم الاتساق من المعارف الشرعية، والله المسدد